فصل: باب ما جاء في عقل الأصابع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ***


باب ما جاء في عقل الشجاج

1595- مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سليمان بن يسار يذكر أن الموضحة في الوجه مثل الموضحة في الرأس إلا أن تعيب الوجه فيزداد في عقلها ما بينها وبين عقل نصف الموضحة في الرأس فيكون فيها خمسة وسبعون دينارا قال أبو عمر روي هذا الخبر عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك سواء عبد الملك بن جريج ويحيى بن سعيد القطان وجمهور العلماء على أن الموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس دون الجسد وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم إلا أن مالكا قال لا تكون الموضحة إلا في حجبة الرأس والجبهة والخدين واللحي الأعلى ولا تكون في اللحي الأسفل لأنه في حكم العنق ولا في الأنف لأنه عظم منفرد‏.‏

وأما الشافعي والكوفيون فالموضحة عندهم في جميع الوجه والرأس والأنف عندهم من الوجه وكذلك اللحي الأسفل من الرأس وذكروا من قول بن عمر ما فوق الذقن من الرأس ولا يخمره المحرم وقالوا أراد بقوله الذقن وما فوقه كما قال الله عز وجل ‏(‏فاضربوا فوق الأعناق‏)‏ ‏[‏الأنفال 12‏]‏‏.‏

ومعنى الموضحة عند جماعة العلماء ما أوضح العظم من الشجاج فإذا ظهر من العظم شيء قل أو كثر فهي موضحة وقال الليث بن سعد وطائفة تكون الموضحة في الجسد فإذا كشفت عن العظم ففيها أرشها وقال الأوزاعي الموضحة في الوجه والرأس سواء وجراحات الجسد على النصف من ذلك قال أبو عمر جعل الليث جراحة الجسد إذا وضحت عن العظم كموضحة الرأس وجعل الأوزاعي موضحة الجسد مؤقتة أيضا بنصف أرش موضحة الرأس واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن جراح الجسد ليس فيها شيء مؤقت جاءت به السنة وإنما في ذلك الاجتهاد في الحكومة وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جعل في موضحة الجسد نصف دية العضو الذي تقع فيه الموضحة فإن كانت في الأصبع ففيها نصف عشر دية الأصبع وكذلك لو كانت في اليد أو في الرجل قال أبو عمر الموضحة في الوجه والرأس مجتمع عليها يشهد الكافة من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت فيها نصف عشر الدية وأجمعوا على ذلك وروي من نقل الآحاد العدول مثله وإنما اختلفوا في موضحة الجسد وما ذكرنا عن مالك في موضحة الأنف واللحي الأسفل حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني يزيد بن هارون قال حدثني حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الموضحة خمس وذلك في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في الديات وفي الموضحة خمس يعني من الإبل وعلى أهل الذهب خمسون دينارا وعلى أهل الورق نصف عشر الدية وقد ذكرنا اختلاف أهل الحجاز وأهل العراق في مبلغ الدية من الورق فيما تقدم قال أبو عمر يقولون إن جراحات الجسد لا تسمى شجاجا وإنما يقال لها جراح وأن ما في الرأس والوجه يقال لها شجة ولا يقال لها جراحة‏.‏

وأما قول سليمان بن يسار إلا أن تغيب الموضحة في الوجه فيزاد في عقلها ما بينها وبين نصف عقل الموضحة في الرأس فيكون فيها خمسة وسبعون دينارا فذكر بن حبيب في تفسير الموطأ قال اختلف قول مالك في موضحة الوجه تبرأ على شيئين فمرة قال بقول سليمان بن يسار ومرة قال لا يزاد فيها على عقلها وإن برئت على شيئين واختاره بن حبيب قال أبو عمر وقد روي عن مالك أنه يجتهد في شينها للوجه ويحكم في ذلك بغير توقيت‏.‏

وقال الشافعي لا يزاد في الموضحة على أرشها المسنون شانت الوجه أو لم تشنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض أرشها ولم يفرق -عليه السلام- بين ما يشين وما لا يشين قال مالك والأمر عندنا أن في المنقلة خمس عشرة فريضة قال والمنقلة التي يطير فراشها من العظم ولا تخرق إلى الدماغ وهي تكون في الرأس وفي الوجه قال أبو عمر لا يختلف العلماء في أن المنقلة خمس عشرة فريضة وهي عشر الدية ونصف عشر الدية ووصف العلماء لها متقارب جدا فقول مالك ما ذكره في الموطأ وقال بعض أصحابه المنقلة هي الهاشمة ولا يعرف بعضهم الهاشمة وقال بن القاسم الهاشمة دون المنقلة وهي ما هشم العظم قال فإذا كانت في الرأس فهي منقلة قال والمنقلة ما أطار فراش العظم وإن صغر قال أبو عمر موضع المنقلة والهاشمة عند العلماء موضع الموضحة ومحال أن تكون الهاشمة هي المنقلة لأن الهاشمة فيها عشر من الإبل عند الجمهور ولا خلاف أن في المنقلة خمس عشرة فريضة من الإبل واتفقوا على أن ذلك عشر الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة عشر الدية عند كل من عرفها وذكرها من الفقهاء في كتبهم‏.‏

وقال الشافعي الهاشمة هي التي توضح ثم تهشم قال وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظى فتستخرج عظامه من الرأس ليلتئم‏.‏

وقال أبو حنيفة في الهاشمة عشر الدية وهي التي تهشم العظم وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشر الدية وهي التي تنقل منها العظام قال أبو عمر روى مكحول عن زيد بن ثابت أنه قال في الهاشمة عشر من الإبل ولا مخالف له من الصحابة علمته وروى معمر عن قتادة قال في الهاشمة عشر من الإبل قال قتادة وقال بعضهم خمسة وسبعون دينارا قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن المأمومة والجائفة ليس فيهما قود وقد قال بن شهاب ليس في المأمومة قود قال مالك والمأمومة ما خرق العظم إلى الدماغ ولا تكون المأمومة إلا في الرأس وما يصل إلى الدماغ إذا خرق العظم قال أبو عمر لا أعلم أحدا قال في المأمومة قود ولا في الجائفة وروى سفيان بن عيينة عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال في المأمومة ثلث الدية فإن خبلت شقه أو أذهبت عقله أو سمع الرعد فغشي عليه ففيها الدية كاملة قال أبو عمر اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم على أنه لا قصاص في شيء من شجاج الرأس إلا في الموضحة وما عداها من شجاج الرأس ففيها الدية وقد مضى ما في المنقلة والهاشمة واتفقوا على أن في المأمومة ثلث الدية وكذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في الديات قال وفي المأمومة ثلث الدية قال أبو عمر أهل العراق يسمونها الآمة قالوا هي التي تؤم الدماغ وفيها ثلث الدية‏.‏

وقال الشافعي المأمومة ثلث النفس وهي التي تخرق الجلد إلى الدماغ‏.‏ وأما الجائفة فأجمع العلماء على أنها من جراح الجسد لا من شجاج الرأس وأنها تكون في الظهر وفي البطن إذا وصل شيء منها إلى الجوف ولو بمدخل إبرة فهي جائفة وفيها ثلث الدية ولا قود فيها وإن كانت عمدا قال مالك الأمر عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحة وإنما العقل في الموضحة فما فوقها وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم فجعل فيه خمسا من الإبل ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث فيما دون الموضحة بعقل مسمى قال أبو عمر قوله إنه ليس فيما دون الموضحة عقل مسمى وإنما فيه حكومة يجتهد فيها الحاكم وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وقول أكثر العلماء ذكر أبو بكر قال حدثني محمد بن أبي عدي عن أشعث قال كان الحسن لا يؤقت فيما دون الموضحة شيئا وقال حدثني محمد بن عبد الله الأسدي عن بن علاثة عن إبراهيم بن أبي عبلة أن معاذا وعمر جعلا فيما دون الموضحة أجر الطبيب وكذلك قال مسروق والشعبي وبه كتب عمر بن عبد العزيز ليس في ما دون الموضحة عقل إلا أجر الطبيب وقال إبراهيم ما دون الموضحة إنما فيه الصلح قال أبو عمر قد روى مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة - وهي السمحاق - بنصف دية الموضحة قال أبو عمر هذا خلاف ظاهر الموطأ قوله ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث عندنا فيما دون الموضحة بعقل مسمى ولا وجه لقوله هذا إلا أن يحمل قضاء عمر وعثمان في الملطاة على وجه الحكومة والاجتهاد والصلح لا على التوقيت كما قالوا في قضاء زيد بن ثابت في العين القائمة وذكر عبد الرزاق قال قلت لمالك إن الثوري حدثنا عنك عن يزيد بن قسيط عن بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف الموضحة فقال لي قد حدثته به قلت فحدثني به فأبى وقال العمل عندنا على غير ذلك وليس الرجل عندنا هنالك - يعني يزيد بن قسيط قال أبو عمر هكذا قال عبد الرزاق يعني يزيد بن قسيط وليس هو عندي كما ظن عبد الرزاق لأن الحارث بن مسكين ذكر هذا الحديث عن بن القاسم عن عبد الرحمن بن أشرس عن مالك عمن حدثه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط وعن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف الموضحة ويزيد بن قسيط من قدماء علماء أهل المدينة ممن لقي بن عمر وأبا هريرة وأبا رافع وروى عنهم وما كان مالك ليقول فيه ما ظن عبد الرزاق به لأنه قد احتج به في مواضع من موطئه وإنما قال مالك وليس الرجل عندنا هنالك في الرجل الذي كتم اسمه وهو الذي حدثه بهذا الحديث عن يزيد بن قسيط وقد بان بما رواه بن القاسم عن مالك عن رجل عن يزيد بن قسيط ما ذكرنا وبالله التوفيق وقد قلد هذا الخبر الذي ظن فيه عبد الرزاق أن مالكا أراد بقوله ذلك يزيد بن قسيط بعض من ألف في الرجال فقال يزيد بن قسيط ذكر عبد الرزاق أن مالكا لم يرضه فليس بالقوي وهذا غلط وجهل ويزيد بن قسيط ثقة من ثقات علماء المدينة قال أبو عمر قد روي عن علي بن أبي طالب ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ أنه قضى في السمحاق بأربع من الإبل روي ذلك عنه من وجوه ويحتمل أن يكون توقيفا ويحتمل أن يكون حكومة فالله عز وجل أعلم وذكر عبد الرزاق قال حدثني محمد بن راشد عن مكحول عن قبيصة عن زيد بن ثابت قال في الدامية بعير وفي الباضعة بعيران وفي المتلاحمة ثلاث وفي السمحاق أربع وفي الموضحة خمس وروى الشعبي عن زيد بن ثابت قال الدامية الكبرى ويرونها المتلاحمة فيها ثلاثمائة درهم وفي الباضعة مائتا درهم وفي الدامية الصغرى مائة درهم قال أبو عمر أسماء الشجاج التي دون الموضحة عند الفقهاء وأهل اللغة أولها الخارصة ويقال لها أيضا الخرصة وهي التي خرصت الجلد أي شقته وقيل هي الدامية وقيل بل الدامية غير الخارصة وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم ثم الدامغة وهي التي يسيل منها دم وقيل الدامية والدامغة سواء ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تشقه بعد أن شقت الجلد ثم المتلاحمة وهي التي أحزت في اللحم ولم تبلغ السمحاق والسمحاق جلدة أو قشرة رقيقة بين العظم واللحم قالوا وكل قشرة رقيقة فهي سمحاق والسمحاق هي الشجة التي تبلغ القشرة المتصلة بالعظم فإذا بلغت الشجة تلك القشرة المتصلة بالعظم فهي السمحاق ويقال لها الملطاة بالمد والقصر أيضا وقد قيل لها الملطاة فإن كشطت تلك القشرة أو انشقت حتى يبدو العظم فهي الموضحة ولا شيء عند مالك في الملطاة إن كانت خطأ إلا أن تبرأ على شين فتكون فيها حينئذ حكومة‏.‏

وأما الشافعي والكوفيون ففي كل واحدة من هذه الشجاج التي ذكرنا دون الموضحة حكومة عندهم في الخطإ برئت على شين أو لم تبرأ‏.‏

1596- مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال كل نافذة في عضو من الأعضاء ففيها ثلث عقل ذلك العضو قال مالك كان بن شهاب لا يرى ذلك قال أبو عمر روى هذا الخبر سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد سمع عن سعيد بن المسيب يقول كل نافذة في عضو من الأعضاء ففيها ثلث ما فيه قال يحيى قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إنها شجة قال سفيان فأما التي تبين العظم فلا‏.‏

1597- قال مالك وأنا لا أرى في نافذة في عضو من الأعضاء في الجسد أمرا مجتمعا عليه ولكني أرى فيها الاجتهاد يجتهد الإمام في ذلك وليس في ذلك أمر مجتمع عليه عندنا قال أبو عمر قول مالك هذا يدل على أن أروش الجراحات لا يؤخذ التوقيت فيها إلا توقيفا والتوقيف إجماع أو سنة ثابتة فإذا عدم ذلك لم يجز أن يشرع للناس شرع لا يتجاوز بالرأي ولزم الإمام في ما ينزل بالناس مما لا نص فيه ولا توقيف إلا الاجتهاد في الحكم ومشاورة العلماء فإن أجمعوا على شيء أنفذه وقضى به وإن اختلفوا نظر واجتهد وهذا هو الحق عند أولي العلم والفهم وبالله التوفيق‏.‏

وأما قول سعيد بن المسيب في كل نافذة في عضو من الأعضاء ثلث دية ذلك العضو فإنه قاسه -والله أعلم- على الجائفة لأنها جراحة تنفذ إلى الجوف والجوف مقتل وفيها ثلث الدية فإن كانت النافذة في عضو ليس بمقتل وأصيبت خطأ ففي تلك النافذة ثلث دية ذلك العضو وذلك نحو ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في موضحة الجسد نصف عشر دية ذلك العضو وقد ذكرنا في ما تقدم الاختلاف في ذلك قال مالك الأمر عندنا أن المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس فما كان في الجسد من ذلك فليس فيه إلا الاجتهاد قال مالك فلا أرى اللحي الأسفل والأنف من الرأس في جراحهما لأنهما عظمان منفردان والرأس بعدهما عظم واحد قال أبو عمر قد تقدم القول في هذا الفصل كله من قوله فلا معنى لإعادته‏.‏

1598- مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عبد الله بن الزبير أقاد من المنقلة قال أبو عمر روي عن بن الزبير أنه أقاد من المنقلة وأنه أقاد أيضا من المأمومة والذي عليه جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار أنه لا قود في مأمومة ولا في جائفة ولا منقلة لأنه مخوف منها تلف النفس وكذلك كل عظم وعضو يخشى منه ذهاب النفس ولعل بن الزبير لم يخف من المنقلة التي أقاد منها ولا من المأمومة تلفا ولا موتا فأقاد منها على عموم قول الله تعالى ‏(‏والجروح قصاص‏)‏ ‏[‏المائدة 45‏]‏‏.‏

ذكر عبد الرزاق قال قلت لعطاء أيقاد من المأمومة قال ما سمعنا أحدا أقاد منها قبل بن الزبير وقال عطاء لا يقاد من المنقلة ولا من الجائفة ولا من المأمومة وذكر أبو بكر قال حدثني حفص عن أشعث عن أبي بكر بن حفص قال رأيت بن الزبير أقاد من مأمومة فرأيتهما يمشيان بمأمومتين قال‏.‏

وحدثني بن مهدي عن مالك عن يحيى بن سعيد أن الزبير أقاد من المنقلة قال أبو عمر هذا في الموطإ عن ربيعة لا عن يحيى بن سعيد وبن مهدي حافظ وقال أبو بكر حدثني بن مهدي قال حدثني حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار أن بن الزبير أقاد من منقلة وروي عن علي رضي الله عنه من وجوه أنه قال ليس في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة قصاص وقال إبراهيم النخعي وعطاء والزهري والشعبي مثله قال أبو عمر اختلف العلماء في الذي تجب عليه الدية في المأمومة والجائفة وما لا يستطاع القود فيه من جراح العمد فروى بن وهب وبن القاسم عن مالك أن الدية في ذلك على العاقلة وقال بن القاسم وهو أحد قولي مالك وقد روي عن مالك أن ذلك في مال الجارح إن كان مليا وإن كان فقيرا حملته العاقلة وروي عنه أن ذلك في مال الجاني على كل حال لأن العاقلة لا تحمل عمدا ثم قال تحملها العاقلة على كل حال وقال الأوزاعي هي في مال الجاني فإن لم تبلغ ماله فهي على عاقلته‏.‏

وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وعثمان البتي كل جناية فيما دون النفس لا يستطاع فيها القصاص نحو المنقلة والمأمومة والجائفة وما قطع من غير مفصل فأرشه كله في مال الجاني قال أبو عمر ذكر سعيد بن منصور قال حدثني عبد الرحمن وبن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن بن عباس قال لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا مخالف له من الصحابة وذكر أبو بكر قال حدثني بن إدريس عن مطرف عن الشعبي قال لا تعقل العاقلة صلحا ولا عمدا ولا عبدا ولا اعترافا قال‏.‏

وحدثني بن إدريس عن عبيدة عن إبراهيم مثله قال‏.‏

وحدثني عبد الرحمن عن الأشعث عن الحسن والشعبي قالا الخطأ على العاقلة والعمد والصلح على الذي أصابه في ماله قال‏.‏

وحدثني عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه مثله قال أبو عمر قد قال قتادة والحكم بن عتيبة في كل جرح عمد لا يستطاع القود منه هو على العاقلة وهو قول إبراهيم وحماد وعروة بن الزبير هو في ماله وقال بن القاسم لو قطع رجل يمين رجل عمدا ولا يمين للقاطع كانت دية اليد في ماله ولا تحملها العاقلة وقال بن القاسم في المسلم يقتل الذمي عمدا أن ديته في مال المسلم لا تحملها العاقلة وقال أشهب تحملها العاقلة كالمأمومة والجائفة عمدا واختلف قول مالك وأصحابه في المسلم لا تحمل من الخطإ ديات أهل الكتاب وسيأتي هذا المعنى في باب ما يوجب العقل على الرجل في ماله خاصة وبالله التوفيق‏.‏

باب ما جاء في عقل الأصابع

1599- مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة فقال عشر من الإبل فقلت كم في إصبعين قال عشرون من الإبل فقلت كم في ثلاث فقال ثلاثون من الإبل فقلت كم في أربع قال عشرون من الإبل فقلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعراقي أنت فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم فقال سعيد هي السنة يا بن أخي قال أبو عمر قد مضى معنى هذا الحديث وما للعلماء في مبلغ ما تعاقل فيه المرأة الرجل في ديتها من الاختلاف في باب عقل المرأة من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته وليس عند مالك في الأصابع حديث مسند ولا عن صاحب أيضا وعقل الأصابع مأخوذ من السنة ومن قول جمهور أهل العلم وجماعتهم كلهم يقول في الأصابع عشر عشر من الإبل وعلى هذا إجماع فقهاء الأمصار أئمة الفتوى بالعراق والحجاز وقد جاء عن السلف تفضيل بعض الأصابع على بعض كتفضيل من فضل منهم بعض الأسنان على بعض والسنة أن الأسنان سواء وأن الأصابع سواء وعلى هذا مذاهب الفقهاء وأئمة الفتوى بالأمصار حدثنا سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني محمد بن بشر وأبو أسامة عن سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق بن أوس عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الأصابع بعشر عشر من الإبل وقال أبو بكر حدثني محمد بن بشر عن سعيد عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الأصابع بعشر عشر وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في الديات من رواية مالك وغيره في أصابع اليد وأصابع الرجل عشر عشر من الإبل وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجماعة من التابعين وهو قول جماعة فقهاء الأمصار أئمة العامة في الفتيا وقد روي عن عمر بن الخطاب خلاف ذلك وروى بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال في الإبهام عشر من الإبل وفي التي تليها عشر وفي الوسطى عشر وفي التي تلي الخنصر تسع وفي الخنصر ست وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى أيضا في الإبهام والتي تليها بعقل نصف اليد وفي الوسطى بعشر فرائض وفي التي تليها تسع فرائض وفي الخنصر بست فرائض وعن مجاهد قال في الإبهام خمس عشرة وفي التي تليها عشر وفي التي تليها - وهي الوسطي عشر وفي التي تليها ثمان وفي التي تليها - وهي الخنصر - سبع رواه سفيان بن عيينة عن بن أبي نجيح عن مجاهد وقال سفيان المجتمع عليه في الأصابع أنها سواء قال أبو عمر ما روي عن عمر ومجاهد وما كان مثله في هذا الباب فليس بشيء عند الفقهاء أئمة الفتوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كل أصبع مما هنالك - يعني عليه السلام من اليد والرجل - عشر من الإبل وقال صلى الله عليه وسلم هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام حدثني سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني وكيع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام وقال أبو بكر حدثني عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن القضاء في الأصابع في اليدين والرجلين صار إلى عشر من الإبل قال مالك الأمر عندنا في أصابع الكف إذا قطعت فقد تم عقلها وذلك أن خمس الأصابع إذا قطعت كان عقلها عقل الكف خمسين من الإبل في كل إصبع عشرة من الإبل قال مالك وحساب الأصابع ثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار في كل أنملة وهي من الإبل ثلاث فرائض وثلث فريضة قال أبو عمر تحصيل مذهب مالك أن في كل أصبع عشرا من الإبل وعلى أهل الذهب مائة دينار وعلى أهل الورق ألف درهم ومائتا درهم وفي كل أنملة ثلث عقل الأصبع إلا الإبهام ففي كل أنملة منه دية الأصبع لأنه أنملتان وعلى هذا مذهب الشافعي أيضا ذكر عنه المزني قال في اليدين الدية وفي الرجلين الدية وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل وفي كل أنملة ثلث عقل أصبع إلا أنملة الإبهام فإنهما مفصلان ففي أنملة الإبهام نصف عقل الإصبع قال وأي الأصابع شل تم عقلها‏.‏

وقال أبو حنيفة في كل أصبع من اليدين والرجلين نصف الدية والأصابع كلها سواء وفي كل أنملة من كل أصبع فيه ثلاث أنامل ثلث عشر الدية وفي كل أصبع فيه أنملتان نصف عشر الدية قال أبو عمر قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة في هذا الباب سواء إلا ما يختلفون فيه من أصل الدية في تقويم الإبل وفي دية الورق على ما قدمنا ذكره عنهم في باب الدية وقولهم في الأنامل مروي عن زيد بن ثابت وغيره والله الموفق للصواب ‏(‏12باب جامع عقل الأسنان‏)‏‏.‏

1600- مالك عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب قضى في الضرس بجمل وفي الترقوة بجمل وفي الضلع بجمل‏.‏

1601- مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول قضى عمر بن الخطاب في الأضراس ببعير بعير وقضى معاوية بن أبي سفيان في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة قال سعيد بن المسيب فالدية تنقص في قضاء عمر بن الخطاب وتزيد في قضاء معاوية فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء وكل مجتهد مأجور‏.‏

1602- عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول إذا أصيبت السن فاسودت ففيها عقلها تاما فإن طرحت بعد أن تسود ففيها عقلها أيضا تاما هكذا هذا الحديث في الموطإ قول سعيد فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء لم يذكر الأسنان واقتصر على ذكر الأضراس التي فيها الاختلاف ولو أراد الأضراس والأسنان لم تكن الدية سواء لأن الأضراس عشرون ضرسا والأسنان اثنتا عشرة سنا فلو لم يكن فيها إلا بعيران بعيران لم تكن في جميعها إلا أربعة وستون بعيرا فأين هذا من تمام الدية وسنبين قول سعيد هذا في ما بعد من هذا الباب إن شاء الله عز وجل ورواية بن عيينة لهذا الخبر عن يحيى بن سعيد أبين من رواية مالك حدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني الخشني قال حدثني بن أبي عمر قال حدثني سفيان عن يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب قال قضى عمر بن الخطاب في الأسنان وهي ما أقبل من الفم بخمس من الإبل وفي الأضراس ببعير بعير فلما كان معاوية قال لو علم عمر من الأضراس ما علمته لما فرق بينهما فقضى فيها بخمس خمس كلها قال سعيد بن المسيب فلو أصيب الفم في قول عمر نقصت الدية وزادت في قول معاوية ولو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين وفي ما أقبل من الفم خمسا خمسا فكانت الدية قال أبو عمر أما الضرس فيأتي القول في دية الأضراس في الباب بعد هذا‏.‏

وأما الترقوة والضلع فمذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما أن في ذلك حكومة وهذا هو أحد قولي الشافعي وذلك خلاف ظاهر ما روي عن عمر وقد روي هذا الحديث عن زيد بن أسلم كما رواه مالك ومعمر وبن جريج وسفيان الثوري ذكره عبد الرزاق عنه عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن عمر وذكر وكيع قال أخبرنا سفيان عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر قال سمعت عمر يقول على المنبر في الترقوة جمل وقال أبو بكر حدثني يزيد بن هارون عن حجاج بن داود بن أبي عاصم عن سعيد بن المسيب قال في الترقوة بعير قال‏.‏

وحدثني وكيع وأبو خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال في الترقوة بعيران وقال قتادة فيها أربعة أبعرة وقال عمرو بن شعيب فيها خمس من الإبل وقال مجاهد والشعبي فيها أربعون دينارا وروى وكيع عن سفيان عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال في الترقوة حكم ورواه عبد الرزاق عن الثوري بإسناده مثله وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب لأنه لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يجب التسليم له فكذلك قال إليه أئمة الفتوى وقد يحتمل أن يكون الذي جاء عن عمر وعن التابعين في ذلك على سبيل الحكومة والله أعلم وقد ذكر المزني عن الشافعي قال في الترقوة جمل وفي الضلع جمل قال وقال في موضع آخر يشبه ما روي عن عمر في ذلك أن يكون حكومة لا توقيتا وقال المزني هذا أشبه بقوله كما تأول قول زيد بن ثابت في العين القائمة مائة دينار أن ذلك على معنى الحكومة لا على التوقيت قال المزني قد قطع الشافعي بهذا المعنى فقال في كل عظم كسر سوى السن حكومة فإذا جبر مستقيما ففيه حكومة بقدر الألم والشين ولئن جبر معيبا أو به عوج زيد في حكومته بقدر شينه وضرره وألمه لا يبلغ به دية العظم لو قطع‏.‏

وأما رواية سعيد بن المسيب عن عمر أنه قضى في الأضراس ببعير بعير فالضرس غير السن إلا أن السن اسم جامع عند أهل العلم للأضراس وغيرها وهي اثنان وثلاثون سنا منها عشرون ضرسا وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في السن خمسا من الإبل واتفق فقهاء الأمصار على ذلك كله وسنذكر الحديث المسند وغيره بعده إن شاء الله تعالى والاختلاف إنما هو في الأضراس العشرين لا في الأسنان الاثني عشرة فعلى قول عمر في الأضراس عشرون بعيرا في كل ضرس بعير وفي الأسنان ستون بعيرا فذلك ثمانون بعيرا ينقص من الدية عشرون بعيرا وعلى السنة الثابتة في كل سن خمس من الإبل وهو الذي أضافه سعيد بن المسيب إلى قول معاوية في حديثه هذا تبلغ دية جميع الأسنان مائة وستون بعيرا فتزيد على دية النفس ستين بعيرا وعلى قول سعيد بن المسيب إذا كان في الأضراس بعيران بعيران وهي عشرون ضرسا وفي الأسنان ستون فتلك الدية سواء قال أبو عمر لا معنى لاعتبار دية الأسنان بدية النفس لا في أصول ولا في قياس لأن الأصول أن يقاس بعضها ببعض وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السن خمسا من الإبل فينتهي من الأسنان جميعا حيث ما انتهى بها عددها كما لو فقئت عين إنسان وقطعت يداه ورجلاه وذكره وخصيتاه لاجتمع له في ذلك أكثر من دية نفسه أضعافا فلا وجه لاعتبار دية الأضراس بدية النفس ومن ضرب رجلا ضربة فألقى أسنانه كلها كانت عليه الدية وثلاثة أخماس الدية لأن عليه في كل سن نصف عشر الدية وهي اثنان وثلاثون سنا هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وجمهور العلماء وبالله التوفيق ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا فيه وفي السن خمس من الإبل‏.‏

وحدثني سعيد قال حدثني قاسم قال حدثني محمد قال حدثني أبو بكر قال حدثني محمد بن بشر قال حدثني سعيد بن أبي عروبة عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السن خمس خمس وقال أبو بكر حدثني جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن شريح قال أتاني عروة البارقي من عند عمر أن الأسنان والأضراس في الدية سواء قال أبو عمر هذا خلاف ما رواه مالك عن زيد بن أسلم في هذا الباب عن عمر وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن جابر عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه أن الأسنان سواء وفي حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قوله وقضى معاوية في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة قال فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين دليل على أنه لم تبلغه السنة المأثورة في الأسنانه ولا وقف عليها ولو علمها لسلم لها كما سلم لربيعة في أصابع المرأة وما كان ليضيفها إلى معاوية دون أن يضيفها إلى السنة لو كان عنده في ذلك سنة والله أعلم‏.‏

باب العمل في عقل الأسنان

1603- مالك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري أنه أخبره أن مروان بن الحكم بعثه إلى عبد الله بن عباس يسأله ماذا في الضرس فقال عبد الله بن عباس فيه خمس من الإبل قال فردني مروان إلى عبد الله بن عباس فقال أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فقال عبد الله بن عباس لو لم تعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء‏.‏

1604- مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يسوي بين الأسنان في العقل ولا يفضل بعضها على بعض قال مالك والأمر عندنا أن مقدم الفم والأضراس والأنياب عقلها سواء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السن خمس من الإبل والضرس سن من الأسنان لا يفضل بعضها على بعض قال أبو عمر ما نزع به مالك من ظاهر عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأسنان لازم صحيح وعليه جماعة الفقهاء أئمة الأمصار في الفتيا وقد كان في التابعين من يخالف في ذلك ولذلك رد مروان كاتبه أبا غطفان إلى بن عباس يقول له أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فأجابه جواب قائس على الأصابع بعد جوابه الأول بالتوقيف الموجب للتسليم حدثني سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم قال حدثني محمد قال حدثني أبو بكر قال حدثني يزيد بن هارون عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السن خمس خمس ومن اختلاف التابعين في هذا الباب ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني محمد بن بكر عن بن جريج قال قال لي عطاء الأسنان الثنيات والرباعيات والنابين خمس خمس وما بقي بعيران بعيران أعلى الفم وأسفله من كل ذلك سواء قال بن جريج‏.‏

وأخبرني بن أبي نجيح عن مجاهد مثل قول عطاء وقال بن جريج أخبرني عمرو بن مسلم أنه سمع طاوسا يقول تفضل الثنية في أعلى الفم وأسفله على الأضراس وأنه قال في الأضراس صغار الإبل قال أبو بكر‏.‏

وحدثني بن عيينة عن بن طاوس قال قال لي أبي تفضل بعضها على بعض بما يرى أهل الرأي والمشورة فهؤلاء ممن رأي تفضيل مقدم الفم على الأضراس‏.‏

وأما الذين سووا بينهما فمنهم الحسن البصري وشريح القاضي وعروة بن الزبير وإبراهيم والشعبي ومسروق وعمر بن عبد العزيز وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والحجة في السنة لا فيما خالفها وقد ذكرناها من وجوه والحمد لله كثيرا وذكر أبو بكر قال أخبرنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال الأسنان سواء وقال إن كان في الثنية جمال ففي الأضراس منفعة وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن أزهر بن محارب قال اختصم إلى شريح رجلان أصاب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه قال شريح الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما وقال الثوري وغيره الثنية بالثنية والضرس بالضرس‏.‏

12- باب ما جاء في دية جراح العبد

1605- مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار كانا يقولان في موضحة العبد نصف عشر ثمنه‏.‏

1606- مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كان يقضي في العبد يصاب بالجراح أن على من جرحه قدر ما نقص من ثمن العبد قال أبو عمر الاختلاف في هذا المعنى قديم ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن بن المسيب قال جراحات العبيد في أثمانهم بقدر جراحات الأحرار في دياتهم قال الزهري وإن رجالا من العلماء ليقولون إن العبيد والإماء سلعة من السلع فينظر ما نقصت جراحاتهم من أثمانهم هذه رواية معمر عن الزهري وروي بن عيينة قال سمعت الزهري يحدث عن سعيد بن المسيب أنه قال عقل العبد في ثمنه قال مالك والأمر عندنا في موضحة العبد نصف عشر ثمنه وفي منقلته العشر ونصف العشر من ثمنه وفي مأمومته وجائفته في كل واحدة منهما ثلث ثمنه وفيما سوى هذه الخصال الأربع مما يصاب به العبد ما نقص من ثمنه ينظر في ذلك بعد ما يصح العبد ويبرأ كم بين قيمة العبد بعد أن أصابه الجرح وقيمته صحيحا قبل أن يصيبه هذا ثم يغرم الذي أصابه ما بين القيمتين قال مالك في العبد إذا كسرت يده أو رجله ثم صح كسره فليس على من أصابه شيء فإن أصاب كسره ذلك نقص أو عثل كان على من أصابه قدر ما نقص من ثمن العبد قال أبو عمر ما ذكره مالك - رحمه الله - عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار في موضحة العبد مستعملة في الأربعة الجراح الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة دون غيرها من الجراحات والشجاج لأنها إذا بريء العبد الذي أصيب بها لم ينقصه من ثمنه ذلك شيئا وهي جراح قد ورد التوقيف في أرشها في الحر فجعل فيها من ثمنه كما في الحر من ديته وأجراه فيها مجرى الحر قياسا عليه ورأى أن قياسه فيها على الحر أولى من قياسه على السلع لأنه حيوان عاقل مكلف متعبد ليس كالبهائم ولا كالسلع التي يراعي فيها ما نقص من ثمنها واستعمل ما روي عن مروان بن الحكم في ما عدا هذه الجراح الأربع لأن ما عداها ينقص من ثمن العبد لا محالة عنده فاستعمل الخبرين جميعا وذكر أن ذلك الأمر عندهم وروى بن القاسم عن مالك أنه قال إن فقأ حر عيني عبد غيره أو قطع يده ضمنه وعتق عليه لأنه أبطله فإن كان جرحا لم يبطله مثل فقء عين واحدة أو جدع أنف فعليه ما نقص من ثمنه ولا يعتق عليه‏.‏

وأما أبو حنيفة فذهب إلى أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته فجعل في عينه نصف قيمته كلها كما في أنف الحر ديته كلها وكذلك سائر جراحاته وشجاجه وأسنانه جعل فيها كمن قيمته مثل ما فيها للحر من ديته وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ‏(‏رضي لله عنه‏)‏ وعن شريح والشعبي وإبراهيم وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وقال أبو يوسف مثل قول أبي حنيفة في أعضاء العبد وجراحاته إلا أنهما اختلفا في الحاجبين والأذنين فقال أبو حنيفة في أذن العبد ونتف حاجبه إذا لم ينبت ما نقصه وقال أبو يوسف في الحاجب والأذن في كل واحد منهما نصف قيمة العبد كما تجب في ذلك من الحر نصف ديته وقال محمد بن الحسن في جميع ما يتلف من أعضاء العبد النقصان ينظر إلى قيمته صحيحا وإلى قيمة دية الجناية فيغرم الجاني فضل ما بينهما وروى محمد عن زفر مثل قوله وروى الحسن بن زياد عن زفر مثل قول أبي حنيفة إلا أن أبا حنيفة يقول إن بلغت جراح العبد دية حر نقص منها عشرة دراهم لأنه لا يكافئه فيما دون النفس ولو قطع حر يد عبد قيمتها خمسة آلاف نقص منها خمسة دراهم وقال زفر عليه ما نقصه على رواية محمد عنه فإن بلغ ذلك أكثر من خمسة آلاف كان عليه خمسة آلاف درهم لا زيادة‏.‏

وقال أبو حنيفة في حر فقأ عيني عبد لغيره إن سيد العبد إن شاء أسلمه إلى الذي فقأ عينه وأخذ قيمته وإن شاء أمسكه ولا شيء له عليه من النقصان وقال أبو يوسف ومحمد إن شاء أمسكه وأخذ النقصان وإن شاء دفعه وأخذ قيمته وقال زفر عليه ما نقصه فإن بلغ أكثر من عشرة آلاف درهم كان عليه عشرة آلاف درهم لم يزد عليها وقال الأوزاعي في يد العبد نصف ثمنه وقال الثوري إذا أصيب من العبد ما يكون نصف ثمنه من يد أو رجل أخذ مولاه نصف ثمنه إذا كان قد بريء وإذا أصيب أنفه أو ذكره دفعه مولاه إلى الذي أصابه وأخذ ثمنه إن كان قد بريء وقال الحسن بن حي جراحة المملوك في قيمته مثل جراحة الحر في ديته فإن قطع أذنيه أو فقأ عينيه فإن شاء المولى أخذ النقصان وإن شاء أخذ القيمة ودفعه إلى الجاني وقال الليث في رجل خصى غلاما لرجل وكان ذلك زائدا في ثمن الغلام فإنه يغرم ثمنه كله لسيده زاد أو نقص ويعاقب في ذلك‏.‏

وقال الشافعي جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته اتباعا لعمر وعلي وسعيد بن المسيب وغيرهم قال وفي ذكره ثمنه ولو زاد القطع في ثمنه أضعافا لأنه فيه على عاقلته قيمته بالغا ما بلغت قال وقياسه على الحر أولى من قياسه على العبد الذي ليس فيه إلا ما نقصه لأن في قتله خطأ دية ورقبة مؤمنة كفارة وليس كذلك البهائم والمتاع ولا تقتل البهيمة بمن قتلت من المسلمين كما يقتل العبد ولا عليها صلاة ولا صوم ولا عبادة فهو أشبه بالحر منه بالسلع وثمنه فيه كالدية في الحر قال أبو عمر سنذكر اختلافهم في قيمة العبد إذا قتل هل يبلغ بها دية الحر أم لا في آخر باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله إن شاء الله ‏(‏عز وجل‏)‏ قال مالك الأمر عندنا في القصاص بين المماليك كهيئة قصاص الأحرار نفس الأمة بنفس العبد وجرحها بجرحه فإذا قتل العبد عبدا عمدا خير سيد العبد المقتول فإن شاء قتل وإن شاء أخذ العقل فإن أخذ العقل قيمة عبده وإن شاء رب العبد القاتل أن يعطي ثمن العبد المقتول فعل وإن شاء أسلم عبده فإذا أسلمه فليس عليه غير ذلك وليس لرب العبد المقتول إذا أخذ العبد القاتل ورضي به أن يقتله وذلك في القصاص كله بين العبيد في قطع اليد والرجل وأشباه ذلك بمنزلته في القتل قال أبو عمر العلماء في القصاص بين العبيد على ثلاثة أقوال أحدهما أن القصاص بينهم كما هو بين الأحرار في النفس فما دونها من العمد كله وممن قال بهذا مالك والشافعي وأصحابه وبن أبي ليلى والأوزاعي وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ وبه قال سالم وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل الحجاز والقول الثاني أنه لا قصاص بين العبيد في جرح ولا في نفس كما لا قصاص بين الصبيان روي ذلك عن إبراهيم والحسن والشعبي وحماد والحكم وبه قال بن شبرمة وإياس بن معاوية سووا بين الجرح والنفس في أن لا قصاص والقول الثالث أنه لا قصاص بين العبيد إلا في النفس خاصة روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وروي ذلك أيضا عن الشعبي والحسن وبه قال سفيان الثوري والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه واحتج لهم الطحاوي بحديث قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن حصين أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقصهم منه قال ولو كان واجبا لاقتص لهم لأن الله تعالى يقول ‏(‏يأيها الذين ءامنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما‏)‏ ‏[‏النساء 135‏]‏‏.‏

قال واستعملنا في النفس بالنفس قوله صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم قال أبو عمر قد يحتمل أن يكون يقتص للفقراء لأنه عليه السلام أمرهم بالعفو على أخذ الأرش لموضع فقرهم ففعلوا وكذلك -والله أعلم- نقل في الحديث ذكر فقرهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم فدخل في ذلك النفس وما دونها إذا وجب القصاص فيها وجب فيما دونها من الجراح قال الله تعالى ‏(‏يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ‏)‏ ‏[‏البقرة 178‏]‏‏.‏

وقال تعالى ‏(‏والجروح قصاص‏)‏ ‏[‏المائدة 45‏]‏‏.‏

فمن جاز أن يقتص منه في النفس كان فيما دونها أحرى وأولى إن شاء الله تعالى قال أبو عمر قول مالك في هذه المسألة يخير سيد العبد المقتول إن شاء قتل وإن شاء أخذ العقل يشهد لما روى عنه أهل المدينة أن ولي المقتول بالخيار إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية خلاف رواية بن القاسم قال مالك في العبد المسلم يجرح اليهودي أو النصراني إن سيد العبد إن شاء أن يعقل عنه ما قد أصاب فعل أو أسلمه فيباع فيعطي اليهودي أو النصراني من ثمن العبد دية جرحه أو ثمنه كله إن أحاط بثمنه ولا يعطي اليهودي ولا النصراني عبدا مسلما قال أبو عمر هذا ما لا خلاف علمته فيه بين العلماء أن اليهودي والنصراني لا يسلم إليهما عبد مسلم بجنايته وكذلك لم يختلفوا في أن جناية العبد في رقبته وأن سيده إن شاء فداه بأرشها وإن شاء دفعه بها إلى من يجوز له ملكه وأنه ليس عليه من جنايته أكثر من رقبته حدثني أحمد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن يونس عن بقي قال حدثني أبو بكر قال حدثني حفص عن حجاج عن حصين الحارثي عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال ما جنى العبد ففي رقبته ويخير مولاه إن شاء فداه وإن شاء دفعه وروى هذا عن الشعبي والحسن البصري وشريح القاضي ومحمد بن سيرين وسالم بن عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وبن شهاب وغيرهم أخبرنا عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني الخشني قال حدثني بن أبي عمر قال حدثني سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي أنه كان يقول لا تعقل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا يقول ليس لهم أن يفعلوا هذه الأربع - والله أعلم‏.‏

13- باب ما جاء في دية أهل الذمة

1607- مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى أن دية اليهودي أو النصراني إذا قتل أحدهما مثل نصف دية الحر المسلم قال أبو عمر روى هذا الخبر متصلا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد أن أهل الكوفة اختلفوا في دية المعاهد فكتب عبد الحميد إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن ذلك فكتب إليه أن ديته على النصف من دية المسلم‏.‏

1608- مالك عن يحيى بن سعيد أن سليمان بن يسار كان يقول دية المجوسي ثمانمائة درهم قال مالك وهو الأمر عندنا قال مالك وجراح اليهودي والنصراني والمجوسي في دياتهم على حساب جراح المسلمين في دياتهم الموضحة نصف عشر ديته والمأمومة ثلث ديته والجائفة ثلث ديته فعلى حساب ذلك جراحاتهم كلها قال أبو عمر اختلف أهل العلم في دية أهل الكفر فذهب مالك إلي ما ذكره في موطئه في دية اليهودي والنصراني عن عمر بن عبد العزيز في دية المجوسي عن سليمان بن يسار وذكر وكيع قال حدثني سفيان عن عبد الله بن ذكوان أبي الزناد عن عمر بن عبد العزيز قال دية المعاهد على النصف من دية المسلم وقال أبو بكر حدثني يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال كان الناس يقضون في دية اليهودي والنصراني بالذي كانوا يتعاقلون به فيما بينهم ثم رجعت الدية إلى ستة آلاف درهم قال وكان الناس يقضون في الزمان الأول في دية المجوسي ثمانمائة درهم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال دية الكافر نصف دية المؤمن حدثني خلف بن القاسم قال حدثني الفضل بن أبي العقب بدمشق قال حدثني أبو زرعة قال حدثني أحمد بن خالد الوهبي قال حدثني محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح قال في خطبته دية الكافر نصف دية المسلم‏.‏

وحدثني سعيد وعبد الوارث قالا حدثني قاسم قال حدثني محمد قال حدثني أبو بكر قال حدثني عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية الكافر نصف دية المسلم‏.‏

وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثلاثمائة درهم قال والمرأة على النصف من ذلك قال أبو عمر روي هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وبه قال الحسن البصري وعكرمة وعطاء ونافع مولى بن عمر وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز في رواية ذكر أبو بكر قال حدثني وكيع عن سفيان عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة درهم قال‏.‏

وحدثني سفيان عن صدقة بن يسار عن سعيد بن المسيب أن عثمان رضي الله عنه قضى في دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم قال أبو أسامة عن هشام قال قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم قال‏.‏

وحدثني يحيى بن سعيد عن عثمان بن غياث عن عكرمة والحسن قالا دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة قال‏.‏

وحدثني بن نمير عن عطاء قال دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة قال أبو عمر اختلف عن عمر بن عبد العزيز في دية الذمي فروي عنه أنه كان يقضي في دية اليهودي والنصراني بنصف دية المسلم ذكره معمر عن الزهري وغيره عن عمر وقد روى بن جريج عن عبد العزيز بن عمر عن أبيه أن دية المجوسي أربعة آلاف درهم‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وعثمان البتي والحسن بن حي دية المسلم والكافر واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد سواء وهو قول بن شهاب وقال أبو عمر روي هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين وروى إبراهيم بن سعد عن بن شهاب قال كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم قال أبو عمر الأحاديث في هذا الباب عن عمر وعثمان مضطربة مختلفة منقطعة فلا حجة فيها وروي عن بن مسعود قال دية أهل الكتاب وكل من له عهد أو ذمة دية المسلم وهو قول إبراهيم والشعبي وعطاء والحكم وحماد ورواه الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه ورواه مجاهد أيضا عن علي ولم يدرك واحد منهما زمان علي وروى معمر عن الزهري قال دية اليهودي والنصراني وكل ذمي مثل دية المسلم قال وكذلك كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم حتى كان معاوية فجعل في بيت المال نصفها وأعطى أهل المقتول نصفها ثم قال قضى عمر بن عبد العزيز بنصف الدية وألغى الذي جعله معاوية في بيت المال قال وأحسب عمر رأى ذلك النصف الذي جعله معاوية في بيت المال ظلما منه قال الزهري فلم يقبض لي أن أذاكر بذلك عمر بن عبد العزيز فأخبره أن الدية قد كانت تامة لأهل الذمة قال معمر فقلت للزهري إن بن المسيب قال ديته أربعة آلاف فقال لي إن خير الأمور ما عرض على كتاب الله قال الله عز وجل ‏(‏فدية مسلمة إلى أهله‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

وقال عبد الرزاق أخبرنا أبو حنيفة عن الحكم بن عتيبة أن عليا رضي الله عنه قال دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم قال أبو حنيفة وهو قولي قال‏.‏

وأخبرنا بن جريج عن يعقوب بن عتبة وإسماعيل بن محمد وصالح قالوا عقل كل معاهد ومعاهدة كعقل المسلم ذكر أنهم كذكرانهم وإناثهم كإناثهم جرت بذلك السنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال سمعت الزهري يقول دية المعاهد دية المسلم وتلا هذه الآية ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

قال أبو عمر احتج الكوفيون بهذه الآية قوله عز وجل ‏(‏وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

ثم قال عز وجل ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏ قالوا فلما كانت الكفارة واجبة في قتل الكافر الذمي وجب أن تكون الدية كذلك وقالوا وقوله عز وجل ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

كما قال في المؤمن فأراد الكافر لأنه لو أراد المؤمن لقال عز وجل وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن كما قال عز وجل ‏(‏فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

فأوجب الله ‏(‏عز وجل‏)‏ فيه تحرير رقبة دون الدية لأنه مؤمن من قوم حربيين عدو للمسلمين قال أبو عمر قول مالك حدثني يحيى بن سيعد عن أشعث عن الحسن قال إذا قتل المسلم الذمي فليس فيه غير كفارة وتأول مالك - رحمه الله - هذه الآية في المؤمنين لأنه قال ‏(‏عز وجل‏)‏ في أولها ‏(‏ ومن قتل مؤمنا خطئا‏)‏ ثم قال ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

يعني المؤمن المقتول خطأ ورد قوله هذا بعض من ذهب مذهب الكوفيين فقال الحجة عليه أن الله ‏(‏عز وجل‏)‏ قال في هذه الآية ‏(‏فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

فدل ذلك على أنه لم يعطفه على ما تقدم من قوله عز وجل ‏(‏ومن قتل مؤمنا خطئا‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

لأنه لو كان معطوفا عليه ما قال ‏(‏وهو مؤمن‏)‏ لأن قوله ‏(‏ومن قتل مؤمنا خطئا‏)‏ يعني على وصفه بالإيمان لأنه يستحيل أن يقول وإن كان المؤمن المقتول خطأ من قوم عدو لكم وهو مؤمن قالوا وكذلك قوله تعالى ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

غير مضمر فيه المؤمن الذي تقدم ذكره قال أبو عمر التأويل سائغ في الآية للفريقين والاختلاف موجود بين السلف والخلف من العلماء في مبلغ دية الذمي وأصل الديات التوقيف ولا توقيف في ذلك إلا ما أجمعوا عليه وقد أجمعوا عل أن أقل ما قيل فيه واجب واختلفوا فيما زاد والأصل براءة الذمة وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن بن عباس في قوله تعالى ‏(‏فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

قال يكون الرجل مؤمنا وقومه كفآر فلا تكون له دية وفيه تحرير رقبة مؤمنة ‏(‏وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

قال عهد ‏(‏فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة‏)‏ فلا يجب أن يؤخذ مال مسلم إلا بيقين وأقل ما قيل يقين في ذلك وبالله التوفيق قال مالك الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم كافر إلا أن يقتله المسلم قتل غيلة فيقتل به قال أبو عمر اختلف أهل العلم في قتل المؤمن بالكافر فقال مالك والشافعي وأصحابهما والليث والثوري وبن شبرمة والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود الظاهري لا يقتل مؤمن بكافر إلا أن مالكا والليث قالا إن قتله قتل غيلة قتل به وقتل الغيلة عندهم أن يقتله بماله كما يصنع قاطع الطريق لا يقتله لثائرة ولا عداوة‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه وبن أبي ليلى وعثمان البتي يقتل المسلم بالذمي وهو قول إبراهيم والشعبي وعمر بن عبد العزيز قال أبو عمر احتج الكوفيون لقولهم إن المسلم يقتل بالكافر على كل حال بحديث يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني قال قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أحق من وفى بذمته وهذا حديث منقطع لا يثبته أحد من أهل العلم بالحديث لضعفه ورووا فيه عن عمر - رضي الله عنه - حديثا لا حجة لهم فيه ذكر وكيع قال حدثني محمد بن قيس عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الحيرة فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب فكتب عمر أن اقتلوه به فقيل لأخيه حنين قال حتى يجيء على العصبة قال فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين فكتب أن لا يقيدوا به قال فقد جاء الكتاب وقد قتل قال أبو عمر لو كان القتل عليه واجبا ما كان عمر ليكتب ألا يقتل لأنه من فرسان المسلمين لأن الشريف والوضيع ومن فيه غنى ومن ليس فيه غنى في الحق سواء وقد روي هذا الخبر بما دل عليه أنه شاور فقال له - إما علي وإما غيره - فإنه لا يجب عليه قتل فكتب أن لا يقتل ذكر أبو بكر قال حدثني علي بن مسهر عن الشيباني عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال قتل رجل من فرسان الكوفة عباديا من أهل الحيرة فكتب عمر أن أقيدوا أخاه منه فدفعوا الرجل إلى أخي العبادي فقتله ثم جاء كتاب عمر ألا تقتلوه وقد قتله وروى شعبة عن عبد الملك عن النزال مثله وكتاب عمر الثاني دليل على ما قلناه وبالله التوفيق وذكر وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال قال علي - رضي الله عنه - من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد واحتجوا أيضا بخبر الزهري عن سعيد بن المسيب في قصة قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة وهما كافران وأن عثمان والمهاجرين أرادوا أن يقيدوا من عبيد الله وهذا لا حجة فيه لأن الهرمزان قد كان أسلم وجفينة لم يكن أسلم وهذا مشهور عند أهل العلم بالسير والخبر واحتجوا بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال ذمي فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه وهذا لعمري قياس حسن لولا أنه باطل عند الأثر الصحيح ولا مدخل للقياس والنظر مع صحة الأثر حدثني سعيد وعبد الوارث قالا حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد قال حدثني أبو بكر قال حدثني بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال قلنا لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله رجلا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر وبه عن أبي بكر قال حدثني بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل مؤمن بكافر فإن قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده يعني بكافر والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي قالوا ولا يجوز أن يحمل الحديث على أن العهد يحرم به دم من له عهد لارتفاع الفائدة في ذلك لأنه معلوم أن الإسلام يحقن الدم والعهد يحقن الدم قيل له بهذا الخبر علمنا لأنه معلوم أن المعاهد يحرم دمه ولا يحل قتله وهي فائدة الخبر ومستحيل أن يأمر الله تعالى بقتل الكفار حيث وجدوا وثقفوا وهم أهل الحرب ثم يقول لا يقتل مؤمن بكافر أمر ثم يقتله وقتاله ووعدكم الله بجزيل الثواب على جهاده هذا ما لا يظنه ذو لب فكيف يخفى مثله على ذي علم وقد احتج الشافعي بأنه لا خلاف فيه أنه لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن فكذلك الذمي لأنهما في تحريم القتل سواء حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني أبو داود قال حدثني أحمد بن محمد بن حنبل ومسدد قالا حدثني يحيى بن سعيد قال حدثني سعيد بن أبي عروبة قال حدثني قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي - رضي الله عنه فقلنا هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم يعهده إلى الناس عامة قال لا إلا ما في كتابي هذا وأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قال أبو عمر في قوله صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم دليل على أن غير المسلمين لا تكافئ دماؤهم دماء المسلمين وقد أجمعوا أنه لا يقاد الكافر من المسلم فيما دون النفس من الجراح فالنفس بذلك أحرى وبالله التوفيق‏.‏

وأما قول مالك أن المسلم إذا قتل الكافر قتل غيلة قتل به فقد قالت به طائفة من أهل المدينة وجعلوه من باب المحاربة وقطع السبيل ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني معن بن عيسى قال حدثني بن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن أن رجلا من النبط عدا عليه رجل من أهل المدينة فقتله قتل غيلة فأوتي به أبان بن عثمان وهو إذ ذاك على المدينة فأمر بالمسلم الذي قتل الذمي أن يقتل به قال أبو عمر قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مؤمن بكافر قول عام لم يستبن غيلة ولا غيرها وقد أجمعوا أنه لا يعتبر فيه حكم المحارب في تخيير الإمام ولو كان محاربا اعتبر ذلك فيه والله أعلم‏.‏

باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله

1609- مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول ليس على العاقلة عقل في قتل العمد إنما عليهم عقل قتل الخطأ قال أبو عمر سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وشرع لها من دينه أن دية المؤمن المقتول خطأ تحملها عاقلة القاتل وهم رهطه وعشيرته وقبيلته لئلا يكون دمه مطلولا فعلت ذلك الكافة التي لا يجوز عليها السهو ولا الغلط وأجمع العلماء على ذلك في الدية الكاملة فارتفع التنازع ووجب التسليم وذلك -والله أعلم- لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تجاوز الله ‏(‏عز وجل‏)‏ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه وما تجاوز الله عز وجل عنه فلا وزر فيه وكأنه مخصوص من قول الله تعالى ‏(‏ولا تزر وازره وزر أخرى ‏)‏ ‏[‏الأنعام 164‏]‏‏.‏

‏(‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها‏)‏ ‏[‏الأنعام 164‏]‏‏.‏

بما خصه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يطل دم الحر تعظيما للدماء -والله أعلم- فجعله في الدية الكاملة على العاقلة والجاني رجل منهم كأحدهم على اختلاف في ذلك وقد اختلف الفقهاء في مبلغ ما تحمله العاقلة من ديات الجراحات في الآدميين واجمعوا أنها لا تحمل جنايات الأموال وسنبين ذلك إن شاء الله عز وجل‏.‏

1610- مالك عن بن شهاب أنه قال مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاؤوا ذلك‏.‏

1611- مالك عن يحيى بن سعيد مثل ذلك قال مالك إن بن شهاب قال مضت السنة في قتل العمد حين يعفو أولياء المقتول أن الدية تكون على القاتل في ماله خاصة إلا أن تعينه العاقلة عن طيب نفس منها قال أبو عمر هذه الآثار كلها في معنى واحد وهو أن العاقلة ليس عليها أن تحمل شيئا من دية العميد والعمد لا دية فيه إنما فيه القود إلا أن يعفو أولياء المقتول عن القاتل ليأخذوا الدية ويصطلحوا على ذلك أو يعفو أحدهم ممن له العفو فيرتفع القتل وتجب الدية لمن لم يعف بشرط أو بغير شرط أو تكون الجناية فيما دون النفس من الجراح عمدا تبلغ الثلث فصاعدا أو لم يكن إلى القصاص سبيل كالجائفة وشبهها وقد مضى القول فيمن يحملها وما للعلماء من التنازع في ذلك وكذلك شبه العمد عند بعض العلماء وكذلك قتل الأبوين ولدهما عمدا هذا كله عمد تجب فيه الدية ويحملها الجاني في ماله عند بعض العلماء وما لم نذكره من ذلك يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله وقد ذكرنا في باب عقل الشجاج قول بن عباس لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا مخالف له من الصحابة وعلى قوله جمهور العلماء قال مالك والأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث فصاعدا فما بلغ الثلث فهو على العاقلة وما كان دون الثلث فهو في مال الجارح خاصة قال أبو عمر قد تقدم ذكر إجماع العلماء على أن العاقلة تحمل الدية كاملة في قتل المؤمن الحر خطأ ذكرا كان أو أنثى واختلفوا في مبلغ ما تحمله العاقلة من ديات الجراحات في الدماء بعد إجماعهم أن العاقلة تحمل دية المؤمن المقتول خطأ ذكرا أو أنثى وبعد إجماعهم على أنها لا تحمل شيئا من جنايات الأموال وقول مالك ما ذكره في موطئه وعليه جمهور جماعة أصحابه أن العاقلة لا تحمل إلا الثلث فما زاد وهو قول سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة من المدينة وبن أبي ذئب وبن أبي سلمة وقال أبو سلمة وأصحابه إذا بلغ من المرأة عشر ديتها ومن الرجل نصف عشر ديته حملته العاقلة وما دونها ففي مال الجاني لا تحمله العاقلة وقال الثوري وبن شبرمة الموضحة فما زاد على العاقلة فدل على أنهما اعتبرا من الرجل والمرأة مقدار موضحة الرجل وهو قول عمر بن عبد العزيز وقال عثمان البتي والشافعي تحمل العاقلة القليل والكثير من أروش الدماء في الخطأ من قتل وجرح من حر وعبد وذكر وأنثى قال الشافعي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حمل العاقلة الأكثر دل على تحملها الأيسر قال أبو عمر قول الشافعي يحتج والحجة له إجماع علماء المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن وشرع حمل العاقلة الدية كاملة ومعلوم أن ذلك حمل لجميع الأجزاء لها فمن زعم أن جزءا منها عشر ألف أو نصف عشر أو ثلثا لا تحمله وتحمل ما فوقه فقد قال بما لا يعضده أصل ولا شيئا سن ولا جاء به توقيف عمن يجب التسليم له‏.‏

وأما وجه قول مالك والحجة له أن الأصل ألا يحمل أحد جناية غيره بأن الله تعالى يقول في كتابه ‏(‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها‏)‏ ‏[‏الأنعام 164‏]‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل في ابنه إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك فلا تكسب كل نفس إلا عليها في دم ولا مال إلا أن تخص ذلك سنة قائمة أو إجماع وقد أجمع أن ما بلغ الثلث من الدية فما زاد منحته العاقلة خرج ذلك من معنى ما تلونا وبقي ما اختلف فيه على الأصل المعلوم في ألا تزر وازرة وزر أخرى ‏(‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها‏)‏ ‏[‏الأنعام 164‏]‏‏.‏

وكان استثناء مجتمعا عليه من أصل مجتمع عليه لأن من قال تحمل العاقلة العشر ونصف العشر فصاعدا ومن قال تحمل القليل والكثير قد اجتمعوا في تحمل الثلث فصاعدا فوجب أن يكون ما نقص من الثلث مردودا إلى الإجماع في أنه لا يحمل أحد إلا ما جنت يده لا ما جنى غيره قال أبو عمر قد تجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان قال الله عز وجل ‏(‏وليس عليكم جناح فيما أخطأتم‏)‏ ‏[‏الأحزاب 5‏]‏‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما تجاوز الله عنه فلا وزر فيه ولا معنى لقول من احتج في هذا الباب بقول الله تعالى ‏(‏ولا تزر وازرة وزر أخرى ‏)‏ ‏[‏الأنعام 164‏]‏‏.‏

وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل المؤمن خطأ أن لا يطل دمه وأن يحمله غيره الذي أخطأ فيه ولم يرد قتله وأن يتعاون قبيله ورهطه وما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك هدي الله قال الله تعالى ‏(‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما‏)‏ ‏[‏النساء 65‏]‏‏.‏

قال مالك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا فيمن قبلت منه الدية في قتل العمد أو في شيء من الجراح التي فيها القصاص أن عقل ذلك لا يكون على العاقلة إلا أن يشاؤوا وإنما عقل ذلك في مال القاتل أو الجارح خاصة إن وجد له مال فإن لم يوجد له مال كان دينا عليه وليس على العاقلة منه شيء إلا أن يشاؤوا قال أبو عمر قد مضى هذا المعنى من قول بن شهاب ويحيى بن سعيد في أول هذا الباب والذي عليه أهل العلم بالحجاز والعراق وأتباعهم ‏(‏في سائر‏)‏ البلدان أن العاقلة لا تحمل عمدا ‏(‏ولا اعترافا‏)‏ ولا صلحا من عمد كما قال بن عباس رضي الله عنه وما شذ على هذا الأصل من مذاهب أصحابنا فواجب رده إليه وبالله التوفيق قال مالك ولا تعقل العاقلة أحدا أصاب نفسه عمدا أو خطأ بشيء وعلى ذلك رأي أهل الفقه عندنا ولم أسمع أن أحدا ضمن العاقلة من دية العمد شيئا ومما يعرف به ذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه ‏(‏فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسن‏)‏ ‏[‏البقرة 178‏]‏‏.‏

فتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أنه من أعطي من أخيه شيء من العقل فليتبعه بالمعروف وليؤد إليه بإحسان قال أبو عمر أما قوله لا تعقل العاقلة أحدا أصاب نفسه عمدا أو خطأ وعلى ذلك رأي أهل العلم عندنا وهو قول أكثر العلماء وقد اتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي فيمن قتل نفسه خطأ أو عمدا أنه لا يجب على عاقلته شيء وقال الأوزاعي لو أن رجلا ذهب يضرب بسيفه في العدو فأصاب نفسه فعلى عاقلته الدية وروى معمر عن الزهري وقتادة أن رجلا فقأ عين نفسه خطأ فقضى له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بديتها على عاقلته وقال أصابته يد من أيدي المسلمين قال أبو عمر القياس والنظر يمنع من أن يجب للمرء على نفسه دين والعاقلة إنما تحمل عن المرء ماله لغيره ألا ترى أن مالا عاقلة له لزمته جنايته عند أكثر أهل العلم فلما استحال أن يجب له على نفسه شيء استحال أن يجب على عاقلته ما لم يجب عليه والله أعلم‏.‏

وأما قوله ولم أسمع أن أحدا ضمن العاقلة من دية العمد شيئا فهذا يقتضي من قوله على صحة رواية من روى عنه أن دية الجائفة والمأمومة وكل ما يخاف منه التلف من الجراح في العمد أنه في مال الجاني لا على العاقلة‏.‏

وأما قوله ومما يعرف به ذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه ‏(‏فمن عفى له من أخيه شيء‏)‏ ‏[‏البقرة 178‏]‏‏.‏

فقد اختلف قوله وقول أصحابه وسائر الفقهاء في قوله عز وجل ‏(‏فمن عفى له‏)‏ هل هو القاتل أو ولي المقتول وقد أفردنا لهذه المسألة جزءا استوعبنا فيه معانيها ومما للعلماء فيها وأوضحنا الحجة لما أخبرناه من ذلك وبالله التوفيق قال مالك في الصبي لا مال له والمرأة التي لا مال لها إذا جنى أحدهما جناية دون الثلث إنه ضامن على الصبي والمرأة في مالها خاصة إن كان لهما مال أخذ منه وإلا فجناية كل واحد منهما دين عليه ليس على العاقلة منه شيء ولا يؤخذ أبو الصبي بعقل جناية الصبي وليس ذلك عليه قال أبو عمر إنما ذكر المرأة مع الصبي لأنه سئل عنهما -والله أعلم- لأن الصبي عمده خطأ وفعله كله خطأ إذا كان في الدماء وكذلك خطأ الرجل والمرأة وأصله أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث من جناية الخطأ وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك والحمد لله فما كان دون الثلث فهو في مال الجاني وما لزم دية الموسر فهو دين على المعسر ولا يأخذ الأب بجناية الابن الصغير ولا الكبير وهذا ما لا خلاف فيه والحمد لله قال مالك الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أن العبد إذا قتل كانت فيه القيمة يوم يقتل ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمة العبد شيئا قل أو كثر وإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة بالغا ما بلغ وإن كانت قيمة العبد الدية أو أكثر فذلك عليه في ماله وذلك لأن العبد سلعة من السلع قال أبو عمر قد بين مالك بقوله إن العبد سلعة من السلع ما هو حجة لمذهبه في أن قيمة العبد لا تحملها العاقلة لأن العاقلة لا تحمل شيئا من جنايات الأموال عند الجميع وقد قال بقول مالك في ذلك بن أبي ليلى وعثمان البتي وسفيان الثوري والليث بن سعد والحسن بن حي وأبو يوسف في إحدى الروايتين عنه قالوا قيمة العبد على الجاني في ماله خاصة وقد روي عن الشافعي مثل ذلك والأكثر الأشهر عن الشافعي وهو الظاهر من مذهبه أن العبد إذا قتل خطأ فقيمته على عاقلة قاتله في ثلاث سنين وهو قول أبي حنيفة وزفر ومحمد وأبي يوسف قال أبو عمر قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا عن الشعبي والقاسم أن العاقلة لا تكون عمدا ولا عبدا وقال إبراهيم لا يعقل العبد ولا يعقل عنه وقال الحسن إذا قتل الحر العبد خطأ فعليه الدية وعتق رقبة وقال مكحول ليس على العاقلة من دية العبد شيء‏.‏

وأما الذين قالوا إن قيمة العبد المقتول على عاقلة القاتل فمنهم عطاء والحكم وحماد والزهري قال شعبة سألت الحكم وحمادا عن رجل قتل دابة خطأ قالا في ماله قالا وإن قتل عبدا فهو على العاقلة وقال يونس عن الزهري في حر قتل عبدا خطأ قال قيمته على العاقلة قال أبو عمر قد تقدم من قول الشافعي أن قياس العبد على الحر في النفس وما دونها أولى من قياسه على الأموال والبهائم وقد استحسن مالك الكفارة في قتل العبد ولم يستحسنها هو ولا أحد من العلماء في البهائم والأموال ولم يوجب مالك الكفارة في قتل العبد وقال الكفارة التي في القرآن لأنه ذكر ‏(‏معها‏)‏ الدية وليس في قتل العبد دية قال والكفارة في قتل العبد حسنه وقال الطحاوي - معترضا عليه قد قال الله عز وجل ‏(‏فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة‏)‏ ‏[‏النساء 92‏]‏‏.‏

فأوجب الكفارة بلا دية فعلمنا أن وجوب الكفارة غير مقصور على حال وجوب الدية قال أبو عمر الكفارة في قتل العبد خطأ واجبة على ‏(‏قاتله‏)‏ عند الكوفيين والشافعي‏.‏

وأما قول مالك فإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة بالغا ما بلغ وإن كانت قيمة العبد أو أكثر فهو مذهب الشافعي وأبي يوسف وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح ومكحول وبن شهاب الزهري والحسن وبن سيرين كلهم قال في الرجل يقتل العبد خطأ قيمته عليه بالغا ما بلغت وإن زادت على دية الحر أضعافا وروي ذلك عن علي وبن مسعود رضي الله عنه‏.‏

وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد إذا قتل العبد خطأ وقيمته أكثر من عشرة آلاف درهم لم يرد صاحبه على عشرة آلاف درهم وهو قول الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان فهؤلاء يقولون لا يزاد في قيمة العبد على دية الحر وقالت طائفة من ‏(‏فقهاء‏)‏ الكوفة لا يبلغ به دية الحر ينقص منها شيء روي ذلك عن الشعبي وإبراهيم وقال سفيان الثوري ينقص منه الدرهم ونحوه وقال غيره من الكوفيين تنقص منها عشرة دراهم واحتج الطحاوي بأن قال الرق حال نقص والحرية حال كمال وتمام فمحال أن يجب في حال نقصانه أكثر مما يجب في حال تمامه فمن هنا وجب ألا يجاوز بقيمة الدية قال أبو عمر قد أجمعوا أنها قيمة لا دية فوجب أن يبلغ بها حيث بلغت كسائر القيم المستهلكات التي لا توقيف فيها والله أعلم‏.‏